''السوق الرمادية''، هل ستجد يوماً من يقف في وجهها؟

تنطوي منطقة الشرق الأوسط على إحدى أضخم أسواق تقنية المعلومات في العالم، وتشهد معظم أسواق الكمبيوتر وملحقاته فيها نمواً مطرداً في معدلات الطلب، بيد أن مكونات أجهزة الكمبيوتر وملحقاتها لا تدخل الأسواق بشكل رسمي دائماً، فالعديد من عمليات الاستيراد تجري عبر قنوات غير تلك التي يعتمدها المصنّع الأصلي وموزعوه المعتمدون لتنشأ بذلك ظاهرة تسمى ''الاستيراد الموازي'' أو ''السوق الرمادية''. وتتجلى أبرز أخطار هذه الظاهرة بالنسبة للعملاء والمستخدمين في عدم مسؤولية معيدي البيع تجاه المنتجات بعد بيعها. وتقف السوق الرمادية في منطقة الشرق الأوسط الآن على مشارف انعطاف مهم ناجم عن سعي الشركات المصنعة لاستثمار الجهود والموارد في سبيل كسر شوكة أنشطة التجارة الرمادية في أسواق تقنية المعلومات. وعلى ما يبدو فإن جهود ومحاولات الشركات المصنعة في هذا السياق تأتي أكلها، فقد أصبح اللاعبون في السوق الرمادية يشعرون بحجم الضغط الذي بات يقوض أنشطتهم ويعيق تحركاتهم.

  • E-Mail
''السوق الرمادية''، هل ستجد يوماً من يقف في وجهها؟ ()
 Thair Soukar بقلم  October 10, 2004 منشورة في 
COMPANY:
-

MAGAZINE:
-

AUTHOR:
-


مقدمة |~|MehdiAjmal1.jpg|~| مهدي أمجد، المدير التنفيذي للمجموعة لدى الماسة لتوزيع تقنية المعلومات |~|يقصد بالاستيراد الموازي أو السوق الرمادية إدخال المنتجات من خارج قنوات التوزيع المرخصة الخاصة بالشركة المصنعة، وحيث أن الشركة المصنعة أو صاحبة الملكية الفكرية لا تربطها بالمصدر الموازي أية اتفاقية تعاون رسمية، يشار أحياناً إلى المنتجات المستوردة على أنها ''منتجات السوق الرمادية''، وهي تسمية ليست دقيقية تماماً لأن السلع في حد ذاتها سلع أصلية، ولكن قنوات التوزيع فقط هي التي تخرج عن سيطرة الشركة المصنعة .

وتظل مشكلة السوق الرمادية أقل خطراً وضرراً بكثير من العلامات التجارية المزورة، والمنتجات المقلدة، ذلك أن أكبر مشكلات الحالة الأولى تتمثل في انتشار المنتج بكثرة في الأسواق مما يعود بالضرر على الموزع المعتمد، ولكن حجم الضرر يبقى أقل بكثير من ذلك الذي ينجم عن عملية تزوير المنتجات لأن العملاء في النهاية يشترون منتجاً أصلياً وليس مقلداً أو مزوراً. أما السبب وراء ظهور السوق الرمادية، فمرده عوامل عدة على رأسها فارق السعر، ولذلك تسعى بعض الشركات المصنعة لتوحيد أسعار منتجاتها في جميع الأسواق بغرض التخفيف من حدة الأنشطة الرمادية. ويتفاوت تعرض المنتجات إلى الأنشطة الرمادية بتفاوت اختلافات أسعارها من بلد لآخر، فضلاً عن تفاوت نوعية الخدمات التي توفرها لعملائها على المستوى المحلي، إضافة إلى مدى قدرة المكاتب الإقليمية والمحلية للشركات المصنعة على السيطرة على مثل هذه المشكلة.

السوق الرمادية هي أن يتم بيع منتجات في السعودية مثلاً عن طريق دول أخرى في آسيا أو أوروبا. فشركة مايكروسوفت، على سبيل المثال، تبيع البرمجيات في كثير من الدول، ومن ثم تقوم شركة مختصة بتوزيع تجهيزات وبرامج الكمبيوتر بشراء هذه المنتجات أو التكنولوجيا من إحدى هذه الدول وبيعها في السوق السعودية.

||**||النتائج والانعكاسات|~|maan_ahmadi.jpg|~|معن أحمدي، مدير مبيعات القنوات لدى شركة إنتل الشرق الأوسط، وتركيا، وأفريقيا، |~|المشكلة التي تنجم عن السوق الرمادية أنه عندما تريد الشركات الكبرى الاستثمار في دولة ما، فإنها تنظر إلى المكان الذي تحقق فيه من خلال إحصائياتها أعلى نسبة مبيعات. وهكذا تقوم الشركة بالاستثمار في ذلك المكان على أساس أنه يتضمن قاعدة مستخدمين واسعة لمنتجاتها. ولعل السعودية خير مثال على ذلك، فالسوق السعودية، كما هو معروف للجميع، تعد إحدى أضخم أسواق تقنية المعلومات في المنطقة، ومع ذلك تجد بأنها لا تحظى بالاهتمام والدعم اللازمين من قبل بعض الشركات المصنعة وذلك بسبب أنشطة السوق الرمادية. ولا بد على الشركات المحلية المختصة بتوزيع وإعادة بيع منتجات تقنية المعلومات التنبه إلى هذه المسألة، وإلى الآثار السلبية التي تعود بها على الاقتصاد المحلي لبلادهم، فضلاً عن آثارها السلبية على المستخدمين من الشركات والأفراد الذين لا يحصلون في السوق الرمادية على أي من خدمات ما بعد البيع.

تأتي معظم منتجات السوق الرمادية من الشرق الأقصى بأسعار مخفضة جداً، ولا يوفر شراء هذه المنتجات من قنوات بيع غير معروفة أو مرخصة الضمانات ذاتها التي يوفرها الشراء عبر القنوات الرسمية. وتحرص معظم الشركات المصنعة على بيع وتوزيع منتجاتها بطريقة تقدم منفعة متبادلة لها ولعملائها. وتقوم في إطار ذلك بالاستثمار في تدريب وتثقيف شركائها في شبكة التوزيع وإعادة البيع الخاصة بها بحيث تتيح لهم توفير الخدمات التي تلبي احتياجات المستخدمين على أكمل وجه.

وقد باتت قنوات البيع الرمادية، لا سيما في أسواق المكونات، تشكل حلقة طبيعية من سلسلة التزويد Supply Chain، مستندة في ذلك إلى تفاوت أسعار المنتجات من بلد لآخر، وموفرة لمعيدي البيع منتجات بأسعار أقل من تلك التي تقدمها لهم الشركات الموزعة المرخصة. والقصة ذاتها تحدث أيضاً في أسواق مكونات أخرى غير مكونات أجهزة الكمبيوتر، فتباين أسعار المنتجات ومدى توفرها من دولة لأخرى حقيقة تفرض نفسها على أرض الواقع، وجميع المؤشرات تدل على أن أنشطة السوق الرمادية لن تلقى حتفها يوماً.

إن قياس حجم السوق الرمادية ليس بالمهمة السهلة إطلاقاً، وفي العام الماضي قامت شركة KPMG بإعداد تقرير مفصل حول أنشطة التجارة الرمادية لصالح هيئة مكافحة أنشطة التجارة الرمادية AGMA في أسواق تقنية المعلومات. وأظهرت نتائج ذلك التقرير بأن قيمة التداولات في السوق الرمادية الخاصة بمنتجات تقنية المعلومات تصل إلى 40 مليار دولار كل سنة مسببة خسائر كبيرة تقدر بحوالي 5 مليارات دولار للشركات المصنعة.

||**||إجراءات وقائية|~|Baghdady.jpg|~|علي بغدادي، الرئيس والمدير التنفيذي لشركة أبتك|~|يمكن للشركات المختصة بتصنيع منتجات تقنية المعلومات وشركائها الموزعين المرخصين العمل على مكافحة أنشطة التجارة الرمادية والحد من انتشارها، ولكنها تعلم في قرارة نفسها بأنها لن تتمكن أبداً من وضع حد نهائي لها.

إلى ذلك يقول علي بغدادي، الرئيس والمدير التنفيذي لشركة أبتك: ''التجارة الرمادية ظاهرة لطالما كانت موجودة وستظل موجودة على الدوام، وهي لا تقتصر فقط على منتجات تقنية المعلومات. وطالما أنه هناك فروق في أسعار بيع المنتجات بين بلد وآخر، فإن التجارة الرمادية ستبقى محط اهتمام الكثير من الشركات والأفراد كونها تعود عليهم بالربح السريع. وتشمل الأنشطة الرمادية أيضاً قيام بعض الأشخاص بالتحايل على القانون من خلال تهريب المنتجات من سوق لأخرى والتهرب من دفع الضرائب والرسوم الجمركية.

وثمة أكثر من نوع للتجارة الرمادية، والبعض يرى بأنه ليس ثمة تعريف واحد محدد لأنشطة التجارة الرمادية. فبعض الشركات المصنعة تميز بين نوعين من التجارة الرمادية، الأولى دولية إقليمية Inter-regional كتلك التي تحدث بين بلدان آسيا والشرق الأوسط، والثانية إقليمية داخلية والتي تتمثل في انتشار وتوزيع المنتجات خارج إطار قنوات التوزيع والبيع المرخصة على المستوى الإقليمي. وعلى الرغم من تأكيد الكثير من العاملين في قنوات التوزيع وإعادة البيع الخاصة بمنتجات تقنية المعلومات في المنطقة على انخفاض أنشطة التجارة الرمادية الداخلية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، فإن أسواق المنطقة لا تزال تشهد مثل هذه الأنشطة من حين لآخر.

وأوضح مهدي أمجد، المدير التنفيذي للمجموعة لدى الماسة لتوزيع تقنية المعلومات بأنه منذ سنوات قليلة فقط كان أكثر من 50% من المنتجات التي تدخل أسواق الشرق الأوسط منتجات رمادية، إلا أنها أخذت تنخفض يوماً بعد يوم ولا تزال تسير في خط تنازلي حتى الآن. ''وما أتحدث عنه هنا هو التجارة الرمادية بين المنطقة والعالم، وليس ضمن بلدان المنطقة نفسها. فأسواق الشرق الأوسط لا تزال تنطوي على الكثير من أنشطة التجارة الرمادية الداخلية بين أسواق بلدانها، ولعل السبب الأبرز وراء ذلك وجود ميناء جبل علي، وتفاوت أسعار المنتجات بين بلدان المنطقة''.

ومضى يقول: ''يحرص الموزعون الثانويون والوسطاء على مراقبة كافة أسواق المنطقة وتتبع اختلافات الأسعار التي قد تحدث في منتجات تقنية المعلومات بين بلد وآخر، ومن ثم يقومون بشحن المنتجات من سوق لآخر وبيعها محققين هوامش ربحية عالية. وعندما يقوم الموزعون المرخصون بالإحجام عن البيع لمثل هؤلاء ضمن أسواق المنطقة فإنهم يلجؤون كحل بديل إلى استيراده من خارج المنطقة''.

||**||دور الشركات المصنعة|~|Shell.jpg|~|كريستوفر شل، الذي بات يشغل مؤخراً منصب مدير حلول مبيعات أوروبا العالمية للشركاء، إضافة إلى منصب المدير العام في مجموعة الأنظمة الشخصية التابعة لشركة إتش بي الشرق الأوسط، |~|من جانبها تحاول الشركات المختصة بتصنيع منتجات تقنية المعلومات التقليص من حدة أنشطة التجارية الرمادية، لا سيما تلك التي تتم بين منطقة وأخرى. وكما هو معروف فإن لكل شركة فريق مبيعات في كل منطقة تتواجد فيها، وعادة ما تكون الترقيات والمكافآت التي ينالها أفراد كل فريق مرهونة بحجم المبيعات التي ينجح في تحقيقها ضمن أسواق المنطقة التي يشرف عليها، ولا شك بأن دخول المنتجات الرمادية على الأسواق التي يعمل بها هؤلاء من شأنه أن يعود عليهم بالكثير من الضرر. فعلى سبيل المثال يمكن لفريق عمل شركة مصنعة ما في آسيا أن يحقق أرقاماً عالية في حجم المبيعات خلال ربع ما من السنة، وينال لقاء ذلك مكافآت سخية. ولكن إذا كان جزء كبير من المنتجات التي باعها قد وجد طريقه إلى إحدى أسواق الشرق الأوسط، فإن ذلك سيؤدي إلى فشل فريق مبيعات الشركة ذاتها في الشرق الأوسط في تحقيق الأرقام المطلوبة منه، فضلاً عن أن المبيعات العالمية للشركة لن تزداد من جراء ذلك. ولهذا تجد فرق المبيعات الإقليمية تمتعض كثيراً لرؤية المنتجات الرمادية تغزو الأسواق التي يعملون بها، في حين تجدهم أقل امتعاضاً بكثير حيال أنشطة التجارة الرمادية التي تشمل منتجات دخلت أسواق المنطقة عن طريقهم، ذلك أن العمل على الحد من انتشار هذه المشكلة لا يسهم في تعزيز حجم مبيعاتهم. وتقر الكثير من الشركات المصنعة بأن أنشطة التجارة الرمادية لا تسبب لها مشكلة كبيرة، وأنها تفضل بالتأكيد انتشار منتجاتها بصورة (رمادية) على انتشار منتجات الشركات المنافسة.

كريستوفر شل، الذي بات يشغل مؤخراً منصب مدير حلول مبيعات أوروبا العالمية للشركاء، إضافة إلى منصب المدير العام في مجموعة الأنظمة الشخصية التابعة لشركة إتش بي الشرق الأوسط، متولياً بذلك مسؤولية إدارة منطقة جغرافية شاسعة تتضمن دول الكومنولث المستقلة، وأفريقيا، والشرق الأوسط، أصبح بموجب منصبه الجديد يمضي الكثير من وقته في معالجة مشكلات قنوات التوزيع والبيع الرمادية.

ويقول شل إن منطقة الشرق الأوسط تعد منطقة بالغة الأهمية من حيث التسهيلات اللوجستية المتوفرة في جبل علي، ولكن في الوقت نفسه فإن ثمة منتجات رمادية تنتقل من فرنسا إلى أفريقيا الشمالية، ومن جنوب أفريقيا إلى بلدان أفريقيا الجنوبية. ولعل الصعوبة الأكبر في معالجة هذه المشكلة تتمثل في تحديد من يقف وراء هذه الأنشطة. هل إتش بي الشرق الأوسط هي من يقوم بإرسال المنتجات إلى شرق وشمال أفريقيا؟ أم أن المنتجات تأتي أصلاً من إتش بي آسيا، أو الولايات المتحدة، أو أوروبا إلى ميناء جبل علي، ومن ثم تنتقل إلى مناطق أخرى؟ وهنا تبدأ الأمور بالتعقيد، ولدى تفقد الأرقام التسلسلية للمنتجات نكتشف الكثير من الحقائق المذهلة''.

ويرى شل بأنه بدلاً من توجيه اللوم على المنطقة التي تنطلق منها المنتجات الرمادية، ينبغي على فروع ومكاتب شركة إتش بي في كل بلد العمل على تقليص ممارسات التجارة الرمادية من خلال وضع أكبر عوائق ممكنة أمام دخول المنتجات الرمادية إلى الأسواق التي تقع تحت مسؤوليتهم. ''إن خير وسيلة يمكننا اتباعها في إتش بي للحد من انتشار أنشطة التجارة الرمادية هي ضمان توفر المنتجات في كل بلد نعمل بها بالكميات المطلوبة التي تلبي متطلبات جميع الموزعين ومعيدي البيع، إضافة إلى الحرص على توفير الخدمات التمويلية لمعيدي البيع من المستوى الثاني بصورة تشجعهم وتحفزهم على التعامل مع الموزعين المرخصين''.

تتميز المنتجات القادمة عبر القنوات الرمادية بأنها أرخص من تلك التي تأتي عبر قنوات التوزيع والبيع المرخصة. ولهذا ينبغي على الشركات المصنعة توفير العديد من المزايا لمعيدي البيع لضمان تعاملهم مع موزعيها المرخصين، وتشمل تلك المزايا عادة تسهيلات الدفع، والخدمات، والضمان، والخصومات، والدعم التسويقي، وإلا فإن معيدي البيع سيتجهون نحو التعامل مع المنتجات الرمادية. هذه ببساطة هي المعادلة التي تحدد فيما إذا كان معيدو البيع سيقومون بالتعامل مع قنوات التوزيع المرخصة أم يضطرون إلى الانخراط في أنشطة التجارة الرمادية.

من جهته، أكد معن أحمدي، مدير مبيعات القنوات لدى شركة إنتل الشرق الأوسط، وتركيا، وأفريقيا، على أهمية تسهيلات التسليف والدفع بالنسبة للعاملين في قنوات التوزيع وإعادة البيع. ''لا بد من التركيز على عروض الخدمات المضافة الموجهة للمستهلكين. فعندما يشتري معيدو البيع من قنوات التوزيع المرخصة فإنهم يحصلون على دعم كامل في إطار برامج إنتل الخاصة بقنوات التوزيع وإعادة البيع. وثمة انخفاض مطرد في أنشطة التجارة الرمادية بالنسبة لمنتجات إنتل، والدليل على ذلك أن مبيعات الموزعين المعتمدين تحقق ارتفاعاً أعلى بكثير من النمو الإجمالي للسوق''.

وقال أمجد من شركة الماسة لتوزيع تقنية المعلومات إنه إذا كان الفرق في السعر كبيراً جداً بين المنتجات المرخصة والرمادية فإن معيدي البيع سيؤثرون بالطبع الثانية على الأولى. ''لا ريب بأن العروض والمبادرات التحفيزية التي توفرها قنوات التوزيع المرخصة لمعيدي البيع تساعد كثيراً على جذبهم إليها وضمان ولائهم لها. ولكن إذا كان فارق السعر كبيراً بين النوعين فإن الأنشطة الرمادية لن تتوقف عن النمو. ولقد تقلص فارق السعر بين المنتجات المرخصة والرمادية خلال الفترة الأخيرة، وبات هناك الكثير من الفوائد والميزات التي يحصل عليها معيدو البيع من جراء تعاملهم مع قنوات التوزيع المرخصة التي تتيح لهم خصومات وحوافز كثيرة لن يحصلوا عليها أبداً في تعاملاتهم مع المنتجات الرمادية''.

وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها كل من الشركات المصنعة والموزعة على المستوى العالمي من أجل التشجيع على التعامل مع قنوات التوزيع والبيع المرخصة، فإن ثمة عوامل معينة تظل خارج السيطرة. فالفروق الكبيرة في قيمة الضرائب والرسوم الجمركية بين بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا تجعل شلال المنتجات الرمادية يواصل تدفقه، إذ أن الموزعين الثانويين والوسطاء يمكنهم جني الكثير من الأرباح من خلال نقل المنتجات من بلد لآخر مع تجنب دفع تلك الضرائب والرسوم.

وأضاف أمجد: ''ما لم تكن الجمارك وقوانين الاستيراد والتصدير موجودة، لتمكنت الشركات المختصة بالتوزيع، مثل شركة الماسة، بسهولة من تأسيس مستودعات لها في كل بلد من البلدان التي تعمل بها مغطية بخدماتها جميع معيدي البيع، واضعةً بذلك حداً للموزعين الثانويين الذين يقومون بنقل المنتجات عبر القنوات الرمادية''.

يمكن للمضطلعين في أنشطة تهريب المنتجات والتجارة الرمادية المتمثلة في شراء مكونات الكمبيوتر من جبل علي، ونقلها إلى مصر مثلاً متجنبين بطريقة ما الضرائب والرسوم الجمركية، الحصول على المنتجات بسعر يقل بنسبة 25% مقارنة بالسعر الذي يحصلون عليه من قنوات التوزيع والبيع المرخصة، وهو بلا شك فارق كبير لا يمكن لشركات التجميع المحلية مقاومته بغض النظر عن حجم الخدمات والقيمة المضافة التي يوفرها لهم الموزعون المرخصون. وعلى الرغم من أن الرسوم الجمركية العالية وتكاليف الاستيراد الهائلة لم تعد موجودة على نطاق واسع في أسواق المنطقة كما كانت عليه من قبل، إلا أن مجرد وجودها يحول دون قيام الموزعين المرخصين بالتواجد محلياً في جميع الأسواق التي يعملون بها، ويحول كذلك دون قيام الشركات المصنعة بشحن منتجاتها مباشرة إلى تلك الأسواق.

في كينيا على سبيل المثال، ليس ثمة أية ضريبة تفرض على استيراد أجهزة الكمبيوتر المجمعة في حين تفرض ضريبة قيمتها 15% على المكونات المستوردة من الخارج. وبالتالي فإن من البديهي أن تكون سوق التجميع المحلية هناك في أسوأ حال، وأن تكون حركة استيراد الأجهزة المجمعة الجاهزة في أحسن حال.

وبحسب ماريو فيلجوفيتش، مدير المبيعات والتسويق لدى شركة أبتك، فإن السعر لا يزال يشكل العامل الأبرز والأكثر تأثيراً في اتخاذ قرارات الشراء في أسواق المنطقة على مستوى معيدي البيع والمستهلكين الأفراد على حد سواء. ''أول ما يسألك عنه العملاء هو سعر المنتج، وقلما يلقون بالاً لمسألة الدعم الفني والخدمات المضافة والضمان، وذلك لأنهم إما لن يتمكنوا من الاستفادة منها في البلدان التي يعملون بها، أو أنها مكلفة جداً بالنسبة لهم''.

وتابع يقول: ''نواجه حالياً مشكلة تتمثل باختصار في أن أحد المصنعين الذين نتولى توزيع منتجاته في أسواق المنطقة قد عين موزعاً آخر له في دبي لخدمة سوق خارج الشرق الأوسط، بيد أن هذا الأخير يوزع في أسواق المنطقة أيضاً رغم أنه لا يحق له ذلك. لدينا الدليل، وسنقوم بإخطار الشركة المصنعة، وانتظار ما ستقوم به حيال ذلك. وإن لم تتخذ تلك الشركة أية إجراءات لحل تلك المشكلة، فإننا ببساطة لن نواصل الرهان على حصان أعرج، وسنبحث عن البديل''.

الواقع أن قنوات التوزيع والبيع الرمادية تفيد في الوصول إلى الأسواق التي لا يمكن لقنوات توزيع مرخصة محلية أو مكاتب تمثيلية للشركات المصنعة الوصول إليها. فالشركات المصنعة يمكن أن تعين موزعاً في جبل علي لخدمة أسواق شرق أفريقيا على سبيل المثال. وإن وجود قنوات التوزيع والبيع الرمادية، وتفاوت رسوم الجمارك والضرائب في بلدان الشرق الأوسط، إضافة إلى سعي الشركات المصنعة الحثيث لرفع مبيعاتها قدر المستطاع، عوامل أدت مجتمعة إلى تشكيل هذا السيناريو المعقد في أسواق تقنية المعلومات في المنطقة.

||**||وتتواصل المشلكة...|~|VeljovicAptec.jpg|~|ماريو فيلجوفيتش، مدير المبيعات والتسويق لدى شركة أبتك|~|وبالطبع لا يمكن أبداً تخفيف سطوة السوق الرمادية أو الحد من انتشارها ما لم تقم الشركات المصنعة بوضع استراتيجية جادة وخطة فاعلة تحث من خلالها معيدي البيع على الشراء من الموزعين المحليين، إذ أنه من السخرية أن تدفع الشركات المصنعة معيدي البيع على التعامل مع قنوات البيع الرسمية، في الوقت الذي تفشل فيه هي في السيطرة على شبكة قنوات التوزيع والبيع العالمية التابعة لها، والتي تشكل- بسبب تباينها- عاملاً قوياً لاستمرار سطوة السوق الرمادية.

باتت السوق الرمادية في منطقة الشرق الأوسط الآن على مشارف انعطاف مهم ناجم عن سعي الشركات المصنعة لاستثمار الجهود والموارد في سبيل كسر شوكة أنشطة التجارة الرمادية في أسواق تقنية المعلومات. وعلى ما يبدو فإن جهود ومحاولات الشركات المصنعة في هذا السياق أصبحت تأتي أكلها، فقد بات اللاعبون في السوق الرمادية يشعرون بحجم الضغط الكبير الذي بات يقوض أنشطتهم ويعيق تحركاتهم.

صحيح أن السوق الرمادية لن تندثر بالكامل، إلا أن اللاعبين الرئيسين فيها الذين يعتمدون عليها بشكل أساسي في تحقيق أرباحهم، سيواجهون المزيد من الضغوطات والصعوبات من الآن فصاعداً.

||**||

يمكنك الآن الحصول على آخر الأخبار في صندوق الوارد لبريدك الالكتروني عبر الاشتراك المجاني الآن بـ نشرتنا الالكترونية.

إضافة تعليق

اسم المشترك، حقل إجباري

البريد الإلكتروني، حقل إجباري

Security code