الإنترنت تخترق الستار الحديدي

من المؤسف أننا إذا احتجنا لتلمس أزمة الإعلام العربي فعلينا أن نعرف ما هي أزمة الإعلام الغربي بعد ذلك سنضيف إليها المزيد بخصوصيات المنطقة الثقافية والاجتماعية والسياسية. وأقر هنا أن الإعلام الأمريكي هو أفضل وسيلة ترفيهية في العالم، لكنني لن أصغ لتحليلات ما بعد موت مايكل جاكسون لمعرفة الأخبار والتحليلات الاقتصادية، ولا إلى ذلك الإعلام الأمريكي الموجه حتى النخاع والذي يصفه نيل بوستمان أستاذ الصحافة في جامعة نيويورك بالقول " نحن أكثر الأمم حصولا على الترفيه والتسلية الإعلامية والأقل إطلاعا على ما يجري". هل يهم أحد هنا أو هناك أن حصار غزة لا يزال يفتك بأهلها؟ أو ما يجري في العراق، بينما يمكننا أن نتسلى بأخبار المشاهير والممثلين والممثلات؟

  • E-Mail
الإنترنت تخترق الستار الحديدي ()
 Samer Batter بقلم  July 2, 2009 منشورة في 
COMPANY:
-

MAGAZINE:
-

AUTHOR:
-

COUNTRY:
-


من المؤسف أننا إذا احتجنا لتلمس أزمة الإعلام العربي فعلينا أن نعرف ما هي أزمة الإعلام الغربي بعد ذلك سنضيف إليها المزيد بخصوصيات المنطقة الثقافية والاجتماعية والسياسية. وأقر هنا أن الإعلام الأمريكي هو أفضل وسيلة ترفيهية في العالم، لكنني لن أصغ لتحليلات ما بعد موت مايكل جاكسون لمعرفة الأخبار والتحليلات الاقتصادية، ولا إلى ذلك الإعلام الأمريكي الموجه حتى النخاع والذي يصفه نيل بوستمان أستاذ الصحافة في جامعة نيويورك بالقول " نحن أكثر الأمم حصولا على الترفيه والتسلية الإعلامية والأقل إطلاعا على ما يجري".
هل يهم أحد هنا أو هناك أن حصار غزة لا يزال يفتك بأهلها؟ أو ما يجري في العراق، بينما يمكننا أن نتسلى بأخبار المشاهير والممثلين والممثلات؟
وعندما يتساءل بعض الصحفيون عن فشل الإعلام العربي في توقع حدوث الأزمة التي تفتك حاليا بالاقتصاد العالمي ويلومون زملائهم، لعلهم أيضا يبررون فشلهم في ذلك. هناك إذا أزمة في عمل الصحافة العربية خاصة حين تعيد تدوير ما يردها من الإعلام الغربي لتصبح ببغاء تابعا له وتحذو حذوه في تجاهل الأخبار الهامة.
لم تفشل الصحافة الغربية في توقع حدوث الأزمة، فهي أصلا لم تسعى إلى ذلك ولم تكتفي بتجنب كشف المؤشرات المقلقة بل قامت بالتعتيم على مؤشرات حدوثها. لا غرابة إذا حين أعدكم بثقة شبه مطلقة بأن الأزمة التالية لن يسمح لأحد بأن يتوقعها.
كيف يمكن لي ولغيري أن يعرف أن الإعلام الأمريكي موجه؟ هناك حادثتين جرى التعتيم الكلي أو شبه الكلي عليهما رغم الأهمية الكبيرة لكل منهما. أما الأولى فهي ارتكاب مذيع، ريتشارد ك Richard Quest ، في قناة تلفزيونية أمريكية هي الأشهر في الشرق الأوسط، لأفعال مخلة بالآداب مع حمله للمخدرات وسط حديقة نيويورك سنترال بارك (حاول البحث عن اسمه Richard Quest في أخبار الإنترنت وستجد خبرا واحدا فقط من صحيفة بريطانية). ومع ذلك وكأن كل وسائل الإعلام الأمريكية تعمل وفقا لعصى مايسترو، لم تورد النبأ المثير ذاك. أما الحادثة الثانية، فهي اختطاف صحفي في أفغانستان وجرى الاتصال بكل وسائل الإعلام الأمريكية لحجب الخبر طوال سنة تقريبا!
قد يكون الحجب قد تم لأسباب أمنية أو لحماية حياة المراسل الأمريكي المختطف وهو ديفيد رود الذي يعمل في نيويورك تايمز. ولا مشكلة في ذلك، إلا أن العملية، التي شملت منع حتى موقع ويكيبيديا وملايين المشاركين فيه حول العالم من نشر الخبر، تثبت أيضا سهولة إتمام وتنفيذ تعتيم كامل عن أي خبر حتى عبر الإنترنت.
أما أزمة النقل المباشر والفج عن الإعلام الغربي، فالأخبار السطحية المثيرة يتلقفها هنا الجميع ويعيد بثها رغم أنها تلهي الجميع عن الأحداث الخطيرة الأخرى. ويحاكي الإعلام العربي فيما بين أقطابه، التنافس المحموم بين محطة فوكس الإخبارية وكل من MSNBC، وسي إن إن.
ما هو أهم خبر ورد خلال العام 2007 ونال أطول تغطية في كبرى المحطات الإخبارية مثل سي إن إن؟
وهل استحق تغطية بمرتبة وعنوان خبر عاجل طوال ساعتين تقريبا حتى دون السماح للإعلانات أن تتخلله؟
من المؤسف أن ذلك الخبر لم يكن سوى موت عارضة الأزياء آن نيكول سميث. فبدلا من أن تكون مكانة ذلك الخبر مرور الكرام ضمن برنامج الترفيه، تولى أهم مذيعي تلك المحطة تغطية الخبر والتعليق عليه لينافس بدون منازع خبر أهم حدث أمريكي بل عالمي هذا القرن وهو هجمات سبتمبر! ولم يظهر خبر "سخيف" تزامن مع موت نيكول، وهو ضياع 12 مليار دولار على يد السفير الأمريكي في بغداد (راجع الرابط:usawatch.org/docs/wariniraq.pdf).
التحليلات الإخبارية المضللة في الولايات المتحدة لم تكن بسبب جهل وقلة دراية في القطاع الاقتصادي، بل كانت مقصودة لإخفاء الخلل الكبير في أسواق المال والأسهم، والذي ظهرت بعض بوادره منذ عام 2007 دون أن تلتقطها وسائل الإعلام الرئيسية بسبب تواطؤها الكامل مع أصحاب المصالح ممن تورطوا بالخسائر المالية ليرثها العالم أجمع.
هل لعب الإعلام العربي دور مرآة أم ببغاء عن الإعلام الغربي أو غير ذلك؟ فلنحاسب من هدر وقته ووقت غيره بأخبار آن نيكول سميث وأخبار مماثلة التي هدد بعض من مذيعي التلفزيون في الولايات المتحدة بأنهم يفضلون الاستقالة على تقديم أخبار تافهة لمجرد أنها لشخصيات شهيرة.
ليس من المستغرب أن تفتح الإنترنت أكثر من ثغرة في الستار الحديدي للإعلام الأمريكي وتجبره على تغطية الاحتجاجات الإيرانية التي حدثت مؤخرا وتجاهلتها في البداية كل المحطات الإخبارية الأمريكية إلى أن أجبرت على مواكبتها.
لندع الإعلام العربي ومشاكله جانبا. فبعد أن روضته الحكومات العربية أصبح مثل مزمار الحي كيف له أن يطرب وفمه مكمم. كيف يمكن إذا لمحطة إخبارية فاشلة أن تصدر نشرة صحفية هي نكتة في حقيقتها، فهي تفيد أن غالبية المستثمرين وكبار رجال الأعمال العرب يعتبرونها قناتهم المفضلة ويشاهدونها طوال الوقت! أنا بدوري أقاوم الرغبة بإصدار نشرة صحفية بعنوان "تقلص عدد الأثرياء العرب بسبب إدمانهم على قناتهم التلفزيونية المفضلة والمضللة".
لا يمكن القول إن الإعلام الغربي فقد بوصلته، بل الأصح أنها سليمة لكنها موجهة مسبقا نحو اتجاهات أخرى. كيف تم ترويض واحتواء أضخم الشبكات الإخبارية الرئيسية في الولايات المتحدة وهي الأكثر تطورا وتحررا في العالم وهي التي أنجبت عمالقة من أمثال سيمور هيرش وغيره الكثير؟ تجري في الولايات المتحدة عملية منهجية بدأها عهد رونالد ريغان وتستمر حتى اليوم، لدحر الإعلام المستقل وتقليص عدد مالكي كبرى المحطات الإخبارية حتى يسهل التحكم بأخبارها. ووفقا لمؤسسة أهلية أمريكية بروجيكت سينسرد projectcensored، التي تتولى متابعة الرقابة على الأخبار في الولايات المتحدة، فإن خارطة ملكية الشبكات الإخبارية الرئيسية هناك تعود لعدد قليل من أصحاب كبرى الشركات، كما هو تورده هنا: http://tinyurl.com/lhwvkl
هل نتوقع بعدها أن تقوم محطة إخبارية يترأس مجلس إدارتها مالك جنرال موتورز، على سبيل المثال، بالحديث عن تعثر شركته في تحقيق الأرباح المتوقعة؟ هناك تواطؤ حكومي واضح في الإدارات الأمريكية المتعاقبة حين تتسامح مع حدوث تعارض المصالح في قطاع الإعلام. أما على المستوى الفردي، فلماذا يتساهل الصحفي في الأسئلة التي يوجهها لصانعي القرار؟
يستكين بعض العاملين في الإعلام أمام مغريات ومخاوف كثيرة. فالأسئلة المحرجة لا يجب أن يتوقع منها عقوبة هي الحرمان من امتياز الحصول على مقابلة أو مؤتمر سواء كان ذلك دخول البيت الأبيض والحصول على فرصة طرح الأسئلة، أو لقاء كبار الرؤساء التنفيذيين في الشركات. فتلك المخاوف لا يجب أن تمنع أي كان من طرح الأسئلة المحرجة، فلا يهم الصحفي النزيه مجرد الوصول لكبار أصحاب القرار بل الأهم هو ما يجنيه ويطرحه من أسئلة وقضايا في تلك الفرصة، وينطبق ذلك في حالات كثيرة تشجع على التملق بعيدا عن الأسئلة الجدية، سواء كانت الوصول إلى بن لادن أو صدام حسين أو حتى زعماء الكيان الإسرائيلي أو غيرهم. فبدلا من توجيه أسئلة مفيدة يقوم بالتهرب بأسئلة مدجنة ومعدة مسبقا، على شاكلة آخر سؤال تم توجيهه لملياردير كبير، قبيل انكشاف احتياله لمليارات الدولارات. وكان ذلك السؤال "هل تستمتع بكونك من أصحاب الثروة"؟ وكان ذلك الشخص هو ألن ستانفورد الذي اختلس 7 مليارات من المستثمرين. ولا ننسى أن الإجابة كانت "نعم" بابتسامة كبيرة. أما البرنامج الذي كشف هذه المقابلة والأسئلة المخزية التي وجهت لستانفورد فهو برنامج الكوميدي جون ستيورات والذي لا يفاجئ أحد اعتباره من قبل الأمريكيين الصحفي الحقيقي الوحيد حاليا في الولايات المتحدة.
رغم أنني لا أحب الشماتة إلا أن تقلص عدد المليارديرات العرب مؤخرا قد يكون له أسباب غريبة، فعلى ما يبدو أن سبب ذلك ليس فقط مشاهدتهم التلفزيون لساعات طويلة بل أيضا لاختيارهم الخاطئ للقناة التلفزيونية. ورغم أنني لا أعرف شيئا في الصحافة الاقتصادية إلا أنني أضمن بكل جدية وصدق أن النصائح في ذلك البرنامج الكوميدي هي أفضل استشارة استثمارية وإعلامية يمكن الحصول عليها من الولايات المتحدة.

يمكنك الآن الحصول على آخر الأخبار في صندوق الوارد لبريدك الالكتروني عبر الاشتراك المجاني الآن بـ نشرتنا الالكترونية.

إضافة تعليق

اسم المشترك، حقل إجباري

البريد الإلكتروني، حقل إجباري

Security code