عندما تكون الحكومة الإلكترونية وجبة فاسدة في طبق جديد

استشيط غضبا كلما سمعت عن وجبة فاسدة في طبق جديد. وأعني مؤتمرات وندوات حول الحكومة الإلكترونية وكأنها ستحل كل الترهل الحكومي في مختلف القطاعات الرسمية لدى الدول العربية. فهذه لا تعدو كونها أكثر من مآدب وحفلات لأصحابها لذر الرماد في العيون ولجعل الحكومة الإلكترونية تبدو وكأنها من أفلام الخيال العلمي.

  • E-Mail
عندما تكون الحكومة الإلكترونية وجبة فاسدة في طبق جديد ()
 Samer Batter بقلم  July 1, 2009 منشورة في 
COMPANY:
-

MAGAZINE:
-

AUTHOR:
-

COUNTRY:
-


استشيط غضبا كلما سمعت عن وجبة فاسدة في طبق جديد. وأعني مؤتمرات وندوات حول الحكومة الإلكترونية وكأنها ستحل كل الترهل الحكومي في مختلف القطاعات الرسمية لدى الدول العربية. فهذه لا تعدو كونها أكثر من مآدب وحفلات لأصحابها لذر الرماد في العيون ولجعل الحكومة الإلكترونية تبدو وكأنها من أفلام الخيال العلمي.
يقابل الحكومة الإلكترونية المصونة مفهوم الحكومة التقليدية بروتينها الذي يسمم حياة المواطنين بالتنكيل بهم وابتزازهم بالبيروقراطية وتحويل حياتهم إلى جحيم لأن بضعة موظفين في الحكومة لديهم عقد نفسية عديدة. ولا يجد هؤلاء الخبثاء سوى استغلال معاملات الناس للتحكم بوقتهم وهدره والسيطرة على إجراءات المعاملات وتعطيل استكمالها حتى ترتفع أهميتهم ومكانتهم أو يزدهر فسادهم بالرشوة وغيرها من مكاسب.

لاحظوا أن أول خدمات الحكومة الإلكترونية العربية هي لدفع الرسوم وتحصيل الضرائب أو الغرامات، أي تمويل الحكومة الإلكترونية أولا من جيوبكم مباشرة. كما يفترض بكم أن تنتبهوا أنه إذا وقع خطأ في تعاملاتكم الإلكترونية فهناك عذر جاهز وهو تعطل أنظمة الكمبيوتر. وهذه تحدث في أرقى العائلات، كما حدث مؤخرا في الولايات المتحدة حيث انكشف خلل في قاعدة بيانات ضخمة أدى إلى تسديد مليارات الدولارات من قبل المرضى دون وجه حق. خطأ بمليارات في الولايات المتحدة يعني احتمال حدوث خطأ مماثل لدينا هو أكبر فضلا عن قيمة خسائر ذلك الخطأ التي ستزيد بعشرات الأضعاف بسهولة. لاحظوا أن أهم خدمات الحكومة الإلكترونية في مفهومها الأصلي هي أيضا للتصويت والانتخاب وليتصل كل مواطن بمن يمثله في البرلمان، لكن دعونا من هذا الترف هنا. فالرد على البريد الإلكتروني لن يصبح قريبا ملزما للموظفين ولا هو من واجباتهم بعد، فضلا عن أنه لا يعتد به كإثبات أو وسيلة اتصال رسمية.

ولتبسيط التحول نحو الحكومة الإلكترونية هناك مثال بسيط يقارن بين الأسلوبين وهو كالتالي. في إحدى الدوائر التابعة الحكومة البيروقراطية، يمكن تفسير عبارة " لا يعجنبي شكلك-(كما قال أحدهم لصديقي في دائرة رسمية بعد انتظار ساعات لدخول مكتب الموظف) كالتالي: "لا أثق بأن معاملتك ستعود بأي فائدة لي وبالتالي أوراق معاملتك ناقصة ولا أمل لك في إتمام المعاملة". أما ما يقابلها في الحكومة الإلكترونية بعد الضغط على بضعة أزرار وإدخال اسمك وبياناتك فهو: شكرا لك، تمت معاملتك بنجاح وستصلك بالبريد المسجل خلال 24 ساعة.

والحكومة الإلكترونية الفعلية لا يحتاج شرحها لخبراء ولا استشاريين ولا علاقة لها لا بالبرامج ولا التقنيات الحديثة لأن دور هذه ثانوي جدا إذا جرى تنفيذها بالطريقة الصحيحة وهي انتقال التحكم والسيطرة من أيدي البيروقراطية الحكومية إلى أيدي الناس ليتولوا بأسلوب الخدمة الذاتية استكمال متطلبات تعاملاتهم وإنهائها. فهل أصبح موظفو كل دوائر الحكومات العربية مستعدة للتخلي عن تحكمهم بمصائر الناس ليتولوا هم تيسير شؤونهم ومعاملاتهم؟ هذا هو السؤال. فهدف الحكومة الإلكترونية تحقيق الكفاءة والحفاظ على الوقت لدى الناس وموظفي الحكومة. أما الإصدار الحالي من الحكومة الإلكترونية في بعض الدول العربية فهو خيبة جديدة تثقل كاهل ميزانيات هذه الدول بشراء أنظمة الحكومة الإلكترونية، بدلا من تطويرها محليا، ولا ننسى المؤتمرات والحفلات والتهويل بإنجازات وهمية لتبرير الميزانيات الضخمة المرصودة لهذه التقنيات الفضائية.
وللأنصاف أضيف أنه هناك عدد قليل جدا من الدول العربية التي تنفذ مفهوم الحكومة الإلكترونية انطلاقا من مفهومه الصحيح وسأوردها في مكان آخر.
ليست الحكومة الإلكترونية مجرد أنظمة لتسريع العمل بل هي بالأساس طريقة بالتفكير وبالتالي تستدعي تغيير طريقة التفكير لدى ذلك الموظف القادر على أن يطلب منك العودة ثانية لاستكمال أوراقك التي لا تلزم أصلا لمعاملتك وإنما يطلبها لأنه قادر على طلب واشتراط أي شيء. لمجرد أنه قادر على ذلك. أو لأمر في نفسه الخبيثة. والله أعلم

يمكنك الآن الحصول على آخر الأخبار في صندوق الوارد لبريدك الالكتروني عبر الاشتراك المجاني الآن بـ نشرتنا الالكترونية.

إضافة تعليق

اسم المشترك، حقل إجباري

البريد الإلكتروني، حقل إجباري

Security code